عثمان بن جني ( ابن جني )
253
سر صناعة الإعراب
ألا ترى أن بعضها مضموم إلى بعض ملحق به ، أنشدنا أبو علي « 1 » : اطلب أبا نخلة من يأبوكا * فقد سألنا عنك من يعزوكا إلى أب فكلّهم ينفيكا « 2 » على أنهم قد قالوا أيضا : « عزيته إلى أبيه » فالأصل في « عزة » على هذا « عزية » . وإن وجدت فسحة ، وأمكن الوقت عملت بإذن اللّه تعالى كتابا أذكر فيه جميع المعتلات في كلام العرب ، وأميّز ذوات الهمز من ذوات الواو ومن ذوات الياء ، وأعطي كل جزء منها حظه من القول مستقصى إن شاء اللّه تعالى . وذكر شيخنا أبو علي أن بعض إخوانه سأله بفارس إملاء شيء من ذلك ، فأملّ منه صدرا كبيرا ، وتقصّى « 3 » القول فيه ، وأنه هلك في جملة ما فقده وأصيب به من كتبه . وحدثني أبو علي أنه وقع حريق بمدينة السّلام ، فذهب له جميع علم البصريين ، قال : وكنت كتبت ذلك كله بخطي ، وقرأته على أصحابنا ، فلم أجد في الصندوق الذي احترق شيئا البتة إلا نصف كتاب الطلاق عن محمد بن الحسن ، فسألته عن سلوته وعزائه عن ذلك ، فنظر إليّ متعجبا ، ثم قال : بقيت شهرين لا أكلّم أحدا حزنا وهما ، وانحدرت إلى البصرة لغلبة الفكر عليّ ، وأقمت مدة ذاهلا متحيرا .
--> ( 1 ) نسبت الأبيات لبخدج وإلى شريك بن حيان العنبري يهجو أبا نخيلة كما في اللسان مادة ( أبى ) ( 18 ص 8 ) ، وهي بغير نسبه في التمام ( ص 198 ) . ( 2 ) أبا نخلة : الشخص المهجو . يأبوكا : يكون لك أبا . يعزوكا : ينسبك إليه . ينفيك : يرفض نسبتك له . يقول : اطلب أبا نخلة أبا ينسبك إليه فالكل قد تبرأ منك . الشاهد في قوله « يعزوكا » فهو دليل على أن أصل « عزه » عزوة بالواو لورودها في الفعل . إعراب الشاهد : يعزو : فعل مضارع مرفوع وعلامة الرفع الضمة المقدرة ، والفاعل : ضمير مستتر تقديره هو يعود على الموصول قبلها ، والكاف : ضمير مبني في محل نصب مفعول به . والجملة من الفعل « يعزو » والفاعل « المستتر » لا محل لها من الإعراب صلة الموصول . ( 3 ) تقصي : تتبع . لسان العرب ( 15 / 186 ) مادة / قصا .